مقدمة إلى الاقتصاد السلوكي - التجارب السلوكية وتطبيقاتها

مقدمة إلى الاقتصاد السلوكي – التجارب السلوكية وتطبيقاتها (4)

تحدثنا كمقدمة عن الاقتصاد السلوكي بأنه يستخدم المنهج التجريبي على خلاف الاقتصاد التقليدي، أي يميل للعمل على  التجارب السلوكية كمنهج للبحث.

في الحقيقة، تعبّر التجارب عن السلوك الإنساني كما هو بعيداً عن المثاليات السلوكية التي يظهرها البشر ضمن استبيان خاص بمشروع مثلاً أو ما شابه.

لنفترض أننا بصدد دراسة لمدى تقبّل السوق لمنتج جديد، وقد تم توزيع استبيان على الشريحة المستهدفة. لنفترض أن الاستبيان يضم سؤالاً عن السعر الذي يمكن للمستهلك دفعه مقابل هذا المنتج.

في هذه الحالة علينا أن ندرك أن هناك الكثير من التحيزات التي ستتدخل للتأثير في إجابة المستهلك هنا، منها ما يتعلق بآلية عمل النظام الثنائي في الاقتصاد السلوكي، أو ربما يرغب المستهلك بمراعاة شعور الشركة أو ربما تحطيم معنوياتها لأسبابه الخاصة.

لكن دعونا نتخيل أن الشركة قررت فعلاً اختبار منتجها والحصول على نتائج فعلية وواقعية، وقد لجأت إلى اختبار الشريحة المستهدفة تجريبياً من خلال بيع المنتجات بشكل مؤقت بطريقة ما واختبار سلوك المستهلكين.

يتميز الاقتصاد السلوكي أيضاً بقابلية استخدامه في تطبيقات عملية وبمجالات واسعة على عكس الاقتصاد التقليدي الذي تقترب نظرياته من المثالية.

ويمكن أن تدخل تطبيقات الاقتصاد السلوكي وتجاربه بمختلف المجالات منها المشاريع والأعمال وهو المجال الذي سأستخدمه لشرح بعض الأفكار هنا، حيث يمكن استخدامه لـ:

1- اتخاذ قرارات أفضل

يمكن فهم سلوك الأشخاص عن طريق استخدام التجارب السلوكية والاختبارات في الاقتصاد السلوكي، وبالتالي من الممكن أن تساعدك بشكل كبير في اتخاذ أي قرار.

مثلاً، لو أنك ترغب بافتتاح متجر لبيع المشروبات وترغب بمعرفة الأنواع التي يفضلها الأشخاص، بإمكانك أن تقوم بعمل تجربة تقدم فيها مختلف أنواع المشروبات وتقدمها كتجربة بطريقة معينة.

وهنا سترى مباشرةً المشروبات التي يميل المستهلكون بطلبها، لأنك لو سألت الجمهور المستهدف عن مشروبه المفضل فإنهم لن يجيبوا بالدقة المطلوبة وإنما سيقومون بتقديم إجابات اعتيادية على الأغلب مثل القهوة أو الشاي أو ما شابه (مرة ثانية تذكروا النظام 1 وطريقة إجابته).

2- تقديم السعر للعميل بطريقة مقبولة بالنسبة له

مثلاً لو كنت أستاذ أو مدرب أو تقوم بتقديم أي خدمة كحزمة package، بإمكانك في هذه الحالة تجنب تقديم السعر الكامل للحزمة هذه، وإنما تقديم السعر حسب الساعة أو حسب القطعة لأنك بهذه الطريقة تقوم بتخفيف وطأة السعر من خلال تجنب إثارة انتباه النظام 2.

3- الوصول إلى رؤية أفضل للمشروع

أن تستخدم الاقتصاد السلوكي يعني أنك تعلم تماماً كيف يتصرف العميل بعيداً عن العقلانية التي يمكن أن نفترضها.

وبالتالي من الممكن أن تعلم تماماً كيف يمكن للعميل أن يتصرف تجاه منتجك، أو كيف يمكن أن يتصرف العميل في حال وجود مشكلة معينة أو ما هي اهتمامات العميل وغير ذلك.

في حال قمنا بالإجابة عن هذه الأسئلة باستخدام استبيان مثلاً سنرى أننا أمام إجابات نمطية جداً مبنية على توقعات عقلانية، في حين أن التجارب السلوكية دائماً تقدم السلوك الفعلي للعميل.

اقرأ أيضاً: ما هو الاقتصاد السلوكي؟

4- توجيه العملاء باستخدام بعض الأدوات السلوكية

لعلك سمعت بمصطلح Nudge وهو من أهم المواضيع التي تناولها ريتشارد ثايلر في أبحاثه، والذي يعني بأن تقوم بعمل نكزة للشخص أي توجيهه نحو اتجاه معين.

في الاقتصاد السلوكي من الممكن جداً أن تقوم بتوجيه العميل عن طريق عدة أدوات، وسأذكر بعض الأمثلة هنا:

من الممكن أن تستخدم كره الخسارة Loss Aversion، والتي تعني كره الأشخاص لخسارة أي شيء يشعرون بأنهم يمتلكونه.

تم استخدام هذه الأداة ضمن المتاجر بشكل عام من خلال ميزة إعادة السلعة للمتجر.

وحسب الدراسات التي تمت في هذا المجال فإن نسبة الأشخاص الذين يقومون بإعادة السلع بعد شرائها في أمريكا هي نسبة قليلة نوعاً ما.

والسبب في ذلك هو أن الأشخاص يكرهون شعورهم بخسارة المنتج بعد شرائه والإحساس بملكيته، وفي الوقت نفسه هناك تكاليف الشحن لإعادة المنتج التي يكرهون خسارتها أيضاً!

من الممكن أن تستخدم الخيار الافتراضي Default Option أيضاً، وبالفعل فإن إحدى التجارب التي تمت على التبرع بالأعضاء بعد الموت.

أجريت التجربة على ألمانيا والنمسا حيث كان الهدف التشجيع على التبرع بالأعضاء بعد الموت.

في ألمانيا تم إضافة خيار التبرع كخيار افتراضي ضمن الاستمارات التي يملأها الشخص، أي أن هناك إشارة داخل مربع الاختيار ولو رغب الشخص بعدم التبرع فيجب أن ينقر على المربع.

أما في النمسا، فقد كان مربع الاختيار فارغ ويجب على الشخص الذي يرغب بالتبرع بأعضائه أن ينقر عليه.

بعد الإحصائيات التي تمت بعد هذه التجربة، فإن ألمانيا هي الدولة التي كانت فيها نسبة التبرع بالأعضاء كبيرة، لأن الأشخاص حين رأوا أن هذا الخيار (أي التبرع بالأعضاء) هو الخيار الافتراضي فاعتقدوا بأن أغلبية الأشخاص يقومون باختياره وأنه هو الخيار السائد وأنهم سيكونون خارج السرب لو اختاروا عدم التبرع بأعضائهم.

الأمر مشابه تماماً لتجاوزنا وموافقتنا على شروط الخدمة التي تظهر لنا كخيار افتراضي دون أن نفكر في قراءتها.

وأخيراً، كما نرى فإن التطبيقات السلوكية عديدة والاقتصاد السلوكي بحد ذاته أشبه ببحر، وهذه المقالات الأربعة ليست إلا تعريف بسيط ومدخل لأهم المواضيع التي يمكن أن تفيد أي شخص غير مختص بمجال عمله أو حتى ليطّلع على مقدمة للاقتصاد السلوكي.

سيكون هناك المزيد من المقالات عن الاقتصاد السلوكي في المستقبل، وحتى ذلك الوقت سأكون سعيدة بأي سؤال أو استفسار J

Leave a Reply